محمد بيومي مهران
152
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ثم جاء مؤرخونا ونقلوا ما في التوراة ، وكأنه التاريخ الذي يرقى فوق كل هواتف الريبة والشك ، وهو غير ذلك بكل مقاييس منهج البحث التاريخي والديني . هذا فضلا عن مؤرخينا أنفسهم هم الذين يزعمون أن النمرود إنما كان من الأنباط ، الذين لم يستقلوا بشبر واحد من الأرض ، ومن ثم فإن النمرود إنما كان عاملا للضحاك ، وهو فارسي ، على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة « 1 » ، وليت هؤلاء الذين كتبوا ذلك كانوا يعرفون أن الأنباط لم يكونوا في العراق ، وإنما في شمال غرب الجزيرة العربية ، وأن عاصمتهم إنما كانت « البتراء » ، وأنهم أقاموا دولة مستقلة ، فيما بين القرنين الثاني قبل الميلاد ، وأوائل الثاني بعد الميلاد ، حيث استولى الرومان على البتراء عام 106 م ، على أيام « تراجان ( 98 - 117 م ) ، ومن ثم فالفرق الزمني بين عهد الخليل عليه السلام وبين عهد الأنباط ، جهد كبير « 2 » . وأما أن نمرود هذا إنما كان أول من تجبر في الأرض ، فليس هناك من دليل يؤكده ، أو حتى يعضده ، والأمر كذلك إلى بنائه لصرح بابل ، بل إن هذا الصرح نفسه في حاجة إلى دليل يؤيد وجوده ، وأما أنه أول من ملك في الأرض ، فمن المعروف تاريخيا أن مصر إنما كانت أول « أمة » في التاريخ نمت فيها عناصر الأمة بمعناها الكامل الصحيح ، وبعدها كانت أول « دولة » بالمعنى السياسي المنظم ، نجحت في أن تؤسس أول ملكية عرفتها البشرية على طوال تاريخها وبالتالي فإن الملك « مينا » ( نعرمر - عحا ) مؤسس الأسرة المصرية الأولى ، إنما كان أول ملك في التاريخ ، وأن ذلك كان حوالي عام
--> ( 1 ) انظر عن دولة الأنباط ( محمد بيومي مهران : تاريخ العرب القديم - الرياض 1980 ص 493 - 523 - طبعة ثانية ) . ( 2 ) تاريخ الطبري 1 / 291 - 192 ، الكامل لابن الأثير 1 / 116 - 117 ، تفسير القرطبي ص 1092 .